محمد كرد علي

175

خطط الشام

لم تكن ابنة ساعتها ، بل هنالك عوامل مهدت لها السبيل مدة قرون عديدة قبل ظهورها . ولذلك يهم كلّا منا معرفة تطورها . وهذا ما يزيد في مكانة آثار الشام ويجعل إقبال العلماء عليها أكثر من سواها لعلاقتها الكبيرة بنظامنا الاجتماعي الحاضر . وقد أدركت جمعية الأمم هذا الأمر واحتاطت له خوفا من المزاحمة واستئثار دولة بهذه الآثار دون سواها ، فاشترطت في المادة ( 14 ) من صك الانتداب أن القانون الذي سيسن لحماية العاديات يجب أن يستمد روحه مما يدعو إلى التنشيط أكثر منه إلى التثبيط ، كما أنها اشترطت على الحكومة المنتدبة عند منحها إجازات بالحفر أن لا تتصرف بشكل يرمي إلى حرمان علماء أي شعب كان تلك الإجازات دون أسباب موجبة ، وهكذا أصبح الباب مفتحا لجميع الأمم . تأسيس دور الآثار : وقد تضاعف نشاط البعثات الأثرية الأجنبية عقب الهدنة في سنة ( 1918 ) ، وأظهرت قيادة جيوش الحلفاء في الشرق عناية كبرى بالآثار ، وعهدت للإخصائيين في جيوشها بدرس آثار الشام ورفع التقارير عنها ، وشددت النكير على العابثين بها . ومن جملة مقررات المؤتمر الفرنسي الذي عقد في مرسيليا سنة ( 1919 ) للبحث بشؤون الشام العامة اقتراح على الحكومة الفرنسية بإنشاء ديوان للآثار القديمة ، والتشبث باسترجاع ما أخذته الحكومة العثمانية من آثار الشام ، وقد حققت المفوضية الفرنسية في الشام الاقتراح الأول ، فأنشأت لها ديوانا للآثار القديمة ، وحذت المفوضية الإنكليزية حذوها في فلسطين وشرق الأردن . ولم تكن الشام في عهد الملك فيصل أقل عناية من تينك الدولتين . فقد اغتنم هذه الفرصة بعض المفكرين وفي مقدمتهم الأستاذ مؤلف « خطط الشام » فاقترحوا على الملك إنشاء متحف في دمشق ، فقوبل هذا الاقتراح بارتياح عظيم . وما لبث الملك أن أصدر أمره بذلك إلى الأستاذ بأمر تحقيقه على أن يكون فرعا للمجمع العلمي العربي الذي أسسه الرئيس أيضا . وأنشأت الحكومة السورية متحفا آخر في حلب ، وأنشأت حكومات لبنان وجبل الدروز والعلويين